منتدى العلوم السياسية و الصحافة

العلوم السياسية و العلاقات الدولية و علوم الاعلام و الاتصال


    تطور العلاقة بين البعدين المادي والبشري في الفكر التنموي

    شاطر

    wasim
    Admin

    عدد المساهمات : 67
    تاريخ التسجيل : 18/09/2009

    تطور العلاقة بين البعدين المادي والبشري في الفكر التنموي

    مُساهمة  wasim في السبت مايو 22, 2010 10:11 am

    تطور العلاقة بين البعدين المادي والبشري في الفكر التنموي

    يعود المأزق التنموي الحالي الذي تعاني منه الدول النامية وبخاصة في الاقتصاد العراقي والدول العربية النفطية الاخرى، بشكل اساسي الى إغفال السياسات التنموية المطبقة في تلك الدول للأبعاد الديناميكية وعلاقات التأثير المتبادل والتغذية العكسية بين ما يخصص من استثمارات مادية لأغراض تصحيح الاختلال في الهيكل الاقتصادي، وما يخصص من استثمارات لبناء رأس المال البشري وتعزيز المقدرة البشرية، وقد انعكس ذلك بشكل فجوة عميقة وواسعة بين ما تحقق من نمو في المؤشرات الاقتصادية الكمية، وبين التراجع المستمر الذي شهدته تلك الدول في المؤشرات الهيكلية وفي مقدمتها مؤشرات التنمية البشرية.
    وتهدف هذه الدراسة الى تسليط الضوء على تلك الابعاد.
    اولاً: دور رأس المال المادي والبشري في تحقيق التنمية لفهم الآليات التي تجري بموجبها عملية التنمية، وطبيعة الدور الذي يلعبه كل من رأس المال ورأس المال البشري في تلك العملية، نستعين بمفهوم دالة الانتاج من الاقتصاد الجزئي، وبالتحديد بدالة”كوب-دوغلاش“ لكونها اكثر الدوال تلاؤما لهذا التوصيف. وتنص تلك الدالة على ان عملية الانتاج او عملية التنمية تعتمد على عنصرين اساسيين من عناصر الانتاج، الاول هو عنصر العمل L ويعبر هنا عن رأس المال البشري، اما المتغير الثاني فهو عنصر رأس المال K ويعبر هنا عن رأس المال المادي ويمكن تقدير معدل النمو السنوي للناتج او معدل النمو الاقتصادي r Y لأية فترة زمنية او سنة معينة، بمعرفة كل من المعدل السنوي للنمو المتحقق في عنصر رأس المال البشري r L والمعدل السنوي للنمو المتحقق في عنصر رأس المال المادي r K والمرونة الانتاجية لعنصر العمل او مستوى الكفاءة الانتاجية لعنصر رأس المال البشري B ، والمرونة الانتاجية لعنصر رأس المال او مستوى الكفاءة الانتاجية لعنصر رأس المال المادي a، ويمكن وضع هذا التحليل بشكل معادلة رياضية تنص على ان :
    r y = r T +a r k + B r L
    ومن تلك المعادلة نلاحظ ان مقدار مساهمة عنصر رأس المال في عملية التنمية تتوقف على مقدار الزيادة السنوية المتحققة في هذا العنصر والمعبر عنها بالمعدل الاستثماري السنوي او مقدار الزيادة في عنصر رأس المال r k مضروباً في مستوى الكفاءة الانتاجية لهذا العنصر وهو المقدار a r k كما ان مقدار مساهمة عنصر العمل في عملية التنمية تتوقف على مقدار الزيادة السنوية في عنصر العمل r L مضروباً في مستوى الكفاءة الانتاجية لهذا العنصر وهو المقدار B r L، اما مقدار r L فيمثل اثر العوامل الاخرى المتبقية او المحذوفة من النموذج وفي مقدمتها التقدم التكنولوجي، وعنصر الكفاءة الادارية والتنظيم.
    وباختصار فان تلك الدالة تشترط لنجاح عملية التنمية وجود مساهمة ايجابية لكلا العنصرين، وان ضعف مستوى الكفاءة الانتاجية لأي من هذين العنصرين او غياباً لدوره، سيؤدي بالضرورة الى دخول عملية الانتاج وعملية التنمية في مرحلة تناقص العوائد او معدلات النمو السالبة او الصفرية وحالة من الركود الاقتصادي الطويل الاجل.
    ثانياً: تطور العلاقة بين رأس المال المادي والبشري في نظرية التنمية يمكن متابعة التطور في العلاقة بين مفهوم رأس المال المادي والبشري، من خلال متابعة التطورات والتعديلات التي حصلت على الفكر التموي منذ بداية الخمسينيات من القرن المنصرم الى بداية الالفية الجديدة، التي ترافقت مع التبدل المستمر في النظرة الى دور البشر في عملية التنمية ومن اهم تلك التطورات :
    1- التركيز على مفهوم رأس المال المادي
    ركز الاقتصاديون في تلك المرحلة التي تمتد من بداية الخمسينيات الى بداية عقد الستينيات من العقد المنصرم على البعد المادي للتنمية واهملوا تقريبا البعد البشري والاجتماعي، وكانت النماذج المطروحة في تلك المرحلة تركز على كيفية تحقيق التنمية الاقتصادية بالاعتماد على عنصر انتاجي واحد، هو عنصر رأس المال، لكونها تفترض صراحة او ضمنا بأن العنصر البشري من قبيل المعطيات، او ان عرضه غير محدود او كبير المرونة، وبذلك فهو لا يشكل قيدا على عملية التنمية في الدول النامية، ومن اشهر تلك النماذج نموذج”هارود-دومار“، ونموذج”آرثر لويس“، ونظريات النمو المتوازن والنمو غير المتوازن. وترى تلك النماذج والنظريات، بأن تحقيق التنمية الاقتصادية في الدول النامية لا يحتاج سوى الى تمويل خارجي ضخم، وان توفير هذا التمويل هو السبيل الوحيد لتحفيز النشاط الاقتصادي، وخلق فرص التشغيل في تلك الدول، وان التراكم المستمر في رأس المال المادي سينعكس ايجابا عاجلا ام اجلا، على مختلف الفئات الاجتماعية ذلك بفضل الاثر التساقطي، كما ان تحقيق التنمية الاقتصادية سينطوي ضمنا على تحقيق العناصر الاتية :
    أ- تحقيق الانتقال من حالة تخلف الى حالة التقدم الاقتصادي
    ب - إحداث تغير جذري في البنيان الاقتصادي، من خلال رفع مساهمة قطاع الصناعة التحويلية وتقليل مساهمة القطاعات الاولية”الزراعي والاستخراجي “ في الناتج المحلي الاجمالي، والتشغيل، والمتغيرات الاقتصادية الكلية الاخرى.
    ت- الوصول الى بنيان اقتصادي ناضج ومتكامل يحقق حالة التنويع الاقتصادي.
    ث- إن تحقيق التنمية سيؤمن تحقيق تقدم مستمر في معدلات انتاجية العمل وسيرفع من مستوى المهارات والقدرات التكنيكية.
    2- استخدام مفهوم تنمية الموارد البشرية
    مع بداية الستينيات اتجهت نماذج النمو الاقتصادي الى التركيز على اهمية الاستثمار في البشر من خلال اعطاء الاولوية للتعليم والتدريب، وقد جاء هذا التركيز المنهجي على قدرات الانسان بعد الابحاث التي اجراها الاقتصادي الاميركي”تيودور شولتز“ التي اكتشف على هامشها دور الخبرة والمهارات المكتسبة كأحد المتغيرات المستقلة الرئيسة المؤثرة على عملية الانتاج وعملية التنمية الاقتصادية، والتي جرى إغفالها في نموذج دالة الانتاج، فركز”ثيودور شولتز“ في نموذجه على المتغير r T الذي تم إهماله في النموذج السابق، فهذا العامل يقيس اثر المتغيرات المستقلة الاخرى المتبقية او المحذوفة من نموذج دالة الانتاج وفي مقدمتها التقدم التكنولوجي، وعنصر الكفاءة لادارية والتنظيم، وهذا العامل هو الذي يحدد مستوى انتاجية عنصر العمل، وتتحدد مستوى مساهمة هذا العامل في عملية الانتاج وعملية التنمية الاقتصادية بمدى كفاءة والبرامج التعليمية المؤسسات الاخرى المسؤولة عن رفع مستوى الكفاءة الانتاجية لعنصر العمل وبناء رأس المال البشري، ان هذه الومضة الفكرية التي قدمها”ثيودور شولتز“ دفعت الى الاهتمام بدور الانسان في عملية التنمية والاهتمام بالوسائل الكفيلة بتجديد وتطوير طاقاته الانتاجية، ولكن من منظور دوره في خدمة العملية الانتاجية وليس العكس. ولا شك ان هذا الاهتمام برأس المال البشري على الصعيد الاكاديمي ترافق مع عملية التطور التكنولوجي في قطاع الصناعة التحويلية وما تحتاجه تلك العملية من وجود الايدي العاملة الماهرة والمتخصصة ومن استثمار مكثف في تطوير القدرات البشرية. ان هذا التحول الفكري دفع الدول المتقدمة الى رفع مستوى استثماراتها في رأس المال البشري بجميع اشكاله، التي اصبحت اكبر من الاستثمار في رأس المال المادي وهو ما شكل المقدمة الضرورية للتحول باتجاه ما يعرف اليوم بالاقتصاد المعرفي او التكنولوجي. وقد مهد هذا التطور الفكري وما تبعته من اضافات وتعديلات اخرى-لا مجال للخوض فيها هنا- الى ظهور مفهوم تنمية الموارد البشرية، ويركز هذا المفهوم على الابعاد الاتية :
    أ- يهتم هذا المفهوم بجانب الطلب على عنصر العمل كعنصر من عناصر الانتاج، وبكيفية اعداد البشر لأداء وظائف تحددها لهم دوال الانتاج الاقتصادية.
    ب- استخدم مفهوم رأس المال البشري، ويقصد به عمليات الانفاق على عملية اعداد البشر لاداء الوظائف من خلال المجالات التي تساهم في بناء الانسان بدنياً وعقلياً ومهارياً، من طفولته حتى بلوغه سن العمل، وتشمل الانفاق على الصحة والتغذية والتدريب والتعليم، ويقيم رأس المال البشري بدلالة الدخل الاضافي الذي يولده هذا الاستثمار، ومن ثم يحكم على مدى جدواه الاقتصادية من خلال المقارنة بين معدل العائد على الاستثمار البشري ومعدل تكلفة عملية بناء رأس المال البشري.
    ت- لتأهيل الموارد البشرية يطالب هذا المفهوم بتحقيق ما يأتي :
    - توفير فرص استخدام اكبر في شتى المجالات وبشكل خاص في القطاعات الانتاجية.
    - تحسين مستوى اداء القوى العاملة وزيادة انتاجية العمل الاجتماعي.
    - تطوير المهارات والقدرات وتوسيع نطاق خيارات الفرد في العمل.
    - المساهمة في توفير بيئة نظيفة وآمنة.
    - تمكين المرأة من المشاركة الكاملة في مجالات التعليم والعمل وفي مختلف جوانب الحياة عموما، وتضييق فجوات الاختلاف بين الذكور والاناث.
    ث - تشمل الموارد البشرية حسب هذا المفهوم القوى العاملة والافراد في سن العمل (15-64 سنة) كما تم التمييز بين العمالة الماهرة والعمالة غير الفنية والعمالة ذات الخبرة التنظيمية والادارة.
    3 - ظهور مفهوم التنمية البشرية :
    مع مطلع التسعينيات من القرن المنصرم حصلت قفزة نوعية في الفكر التنموي من حيث معالجة التنمية البشرية. فاذا ما كان مفهوم تنمية الموارد البشرية قد تطور حتى نهاية الثمانينيات ليشمل جوانب تشكيل القدرات البشرية كافة، فان مفهوم التنمية البشرية قد ركز بالاضافة الى ذلك على كيفية تحقيق الانتقاع من تلك القدرات، بحيث اعيد التوازن للمقولة الداعية الى (ان الانسان هو صانع التنمية وهو هدفها). ويوضح مفهوم التنمية البشرية المقدم من قبل برنامج الامم المتحدة الانمائي، حدود علاقته مع ما سبقه من مفاهيم فهو يوافق على اهمية النمو الاقتصادي المستمر، غير انه لا يوافق على فكرة الاثر تساقطي كأسلوب لتوزيع ثمار التنمية على اوسع الفئات الاجتماعية، بل يعتبر ان النمو الاقتصادي، هو شرط ضروري ولكنه غير كاف. كذلك يحدد هذا المفهوم المسافة بينه وبين نظريات تكوين رأس المال البشري وتنمية الموارد البشرية من حيث ان هذه النظريات تركز اساسا على تشكيل القدرات البشرية وعلى اعتبار البشر وسيلة العملية الانتاجية وتهمل الى حد بعيد الجانب الاخر من المعادلة المتمثل بانتفاع البشر بقدراتهم المكتسبة بكونهم الهدف النهائي للتنمية، ويركز هذا المفهوم على العناصر الاتية :
    أ- التنمية البشرية هي توجه يهدف الى توفير فرص حياتية افضل للناس بالتأكيد على ثلاثة اهداف رئيسة هي (حياة اطول واكثر صحة، تمتع الفرد والمجتمع بالمعرفة المتجددة، اتاحة مستويات معيشية مرتفعة).
    ب - لا يمكن تحقيق التنمية البشرية الا في اطار مناخ يضمن الحرية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وحرية الابداع والاحترام المتبادل، والامتثال الى مبادئ حقوق الانسان.
    ت - تهدف التنمية البشرية الى تعميق القناعة لدى صناع القرار حول وجوب التفريق بين التنمية كمشروع متكامل وبين النمو الاقتصادي المعني بزيادة الدخل وتحقيق الفائض الاقتصادي دون التفكير بكيفية توزيعه.
    ث- ركز برنامج الامم المتحدة الانمائي ومنذ اصداره لتقريره الاول للتنمية البشرية في العام 1990، على ان الهدف النهائي لتحقيق التنمية البشرية هو توسيع خيارات الناس، وهذه الخيارات لا نهائية بطبيعتها غير انها تتحدد في الناحية الواقعية بمحددات اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية بالاضافة الى ما يمكن ان يكون متاحا في السلع والخدمات والمعارف لتلبية هذه الاحتياجات، ويتضمن هذا المفهوم الابعاد الاتية :
    1- ان الخيارات الانسانية تتعزز حينما يكتسب الناس القدرات البشرية، على ان تتاح لهم الفرص لاستخدامها ولا تسعى التنمية البشرية لزيادة القدرات والفرص فقط، ولكنها تسعى ايضا لضمان التوازن المناسب بينهما، من اجل تحاشي الاحباط الناجم عن فقدان الاتساق بينهما.
    2- ينبغي النظر الى النمو الاقتصادي ليس بوصفها هدفاً نهائيا للتنمية بل انه مجرد وسيلة لتحقيق التنمية.
    3- يهدف مفهوم التنمية البشرية بتركيزه على الخيارات الى الاشارة ضمنا الى انه يتعين ان يؤثر الناس في القرارات والعمليات التي تشكل حياتهم، فيجب ان يشاركوا في مختلف عمليات صنع القرار، وتنفيذ القرارات ومراقبتها وتعديلها حينما يكون ذلك ضروريا من اجل تحسين نتائجها.
    4- ان مفهوم التنمية البشرية مفهوم مركب ينطوي على مجموعة من المكونات والمضامين التي تتداخل وتتفاعل مع جملة من العوامل والمدخلات والسياقات المجتمعة واهمها: عوامل الانتاج، والسياسة الاقتصادية والمالية، مقومات التنظيم السياسي ومجالاته، علاقات التركيب المجتمعي بين مختلف شرائحه، مصادر السلطة والثروة ومعايير تملكها وتوزيعها، القيم الثقافية المرتبطة بالفكر الديني والاقتصادي، القيم الحافزة للعمل والإنماء والهوية والوعي بضرورة التطوير والتجديد أداة للتقدم والتنمية.
    وهكذا يمكن القول ان التنمية البشرية تنطوي على بعدين اساسيين الاول يهتم بتنمية قدرات الانسان وطاقاته البدنية، العقلية والنفسية، الاجتماعية، المهارية والروحية، في مختلف مراحل الحياة، الثاني ان تحقيق التواصل والاستدامة في التنمية البشرية يتوقف على مدى النجاح في استثمار الموارد والمدخلات والانشطة الاقتصادية التي تولد الثروة والانتاج في عملية تنمية القدرات البشرية والاهتمام بتطوير الهياكل والبنى المؤسسية التي تتيح المشاركة والانفتاح بمختلف القدرات لدى الناس.
    4- تطوير المقدرة البشرية كهدف للتنمية البشرية :
    لم يعد الهدف الرئيسي لعملية التنمية هو زيادة الانتاج في ظل المنظور منظور المقدرة البشرية بل اصبح الهدف هو تمكين الناس من توسيع نطاق خياراتهم ليتمكنوا من العيش حياة اطول وافضل وليتجنبوا الامراض القابلة للعلاج وليملكوا المفاتيح لمخزون العالم من المعرفة، وهكذا تصبح عملية التنمية عملية تطوير القدرات الى جانب كونها عملية تعظيم المنفعة او الرفاه الاقتصادي، فالاساس في التنمية البشرية ليس الرفاهية المادية فحسب، بل الانتفاع بالمستوى الثقافي للناس، فالتعليم والثقافة يحققان فوائد معنوية واجتماعية، تتجاوز بكثير فائدتها الانتاجية، من احترام الذات الى القدرة على التواصل مع الاخرين الى الارتقاء بالذوق الاستهلاكي، ويلاحظ ان المنظور الجيد للتنمية يربط ما بين القدرات من جهة والخيارات من جهة اخرى، وما بين هذين المفهومين من جهة ومفهوم الحرية من جهة اخرى، ومن هنا فان نظرية التنمية البشرية تطيح بمقاييس التنمية الاقتصادية المختلفة مثل الناتج المحلي الاجمالي او متوسط الدخل الفردي كمؤشر اعلى لنوعية الحياة، وتضع الى جانبها مقياس مؤشر التنمية البشرية، ولكن حتى عند اعلى مستويات الدخل فإن هناك حدودا لقدرة زيادة الانتاج على تعزيز المقدرة البشرية، فالثراء المالي لم يعد شرطا لتحقيق الكثير من الاهداف المهمة للافراد والمجتمعات مثل الديمقراطية او المساواة بين الجنسين او الحفاظ على تطوير التراث الثقافي، كما ان الثروة لا تضمن الاستقرار الاجتماعي او التماسك السياسي هذا فضلا عن ان حاجات الانسان كفرد ليست كلها مادية، فالحياة المديدة الآمنة وتذوق العلم والثقافة وتوفر الفرص لممارسة النشاطات الخلاقة وحق المشاركة في تقرير الشؤون العامة وحق التعبير والحفاظ على البيئة من اجل الاجيال الحالية والمقبلة مجرد بعض الامثلة على حاجات وحقوق غير مادية قد يعتبرها المرء اهم من المزيد من الانتاج المادي، بالمقابل فان التلوث البيئي وارتفاع معدلات الجريمة وظاهرة الارهاب والامراض المعدية كالايدز في الكثير من البلدان يمكن مواجهتها بمجرد زيادة متوسط الدخل الفردي وفي هذا السياق اكد تقرير التنمية البشرية الصادر في العام 1995 على ضرورة جعل رفع المقدرة البشرية كهدف للتنمية البشرية بتأكيده على العناصر الآتية :
    أ- الانتاجية او مقدرة البشر على القيام بنشاطات منتجة وخلاقة.
    ب- المساواة، او تساوي الفرص المتاحة امام كل افراد المجتمع دون اي عوائق او تمييز بغض النظر عن العرق او الجنس او مستوى الدخل او الاصل او غيره.
    ت- الاستدامة، او عدم الحاق الضرر بالاجيال القادمة سواء استنزاف الموارد الطبيعية وتلويث البيئة او بسبب الديون العامة التي تحمل عبئها الاجيال اللاحقة او بسبب عدم الاكتراث بتنمية الموارد البشرية مما يخلق ظروفا صعبة في المستقبل نتيجة خيارات الحاضر.
    ث- التمكين، فالتنمية تتم بالناس وليس فقط من اجلهم، ولذلك عليهم ان يشاركوا بشكل تام في القرارات والاجراءات التي تشكل حياتهم، وتبرز هنا بشكل خاص اهمية منظمات المجتمع المدني.
    ويحدد”محبوب الحق“ الخطوط العريضة للتنمية البشرية في انها تلك العملية التي تضع الناس في مركز اهتمامها وتهدف لتعظيم الخيارات البشرية وليس فقط الدخل، وتعني المقدرة البشرية وباستخدام تلك المقدرة بشكل كامل انها تعتبر النمو الاقتصادي جوهريا ولكنها على ضرورة الانتباه لنوعيته وتوزيعه بين السكان ولصلته بحياة البشر ولاستدامته على المدى الطويل، انها تضع اهداف التنمية وتحلل الخيارات المعقولة لتحقيقها.
    ثالثا: التفرقة بين مفهوم المقدرة ومفهوم رأس المال البشري :
    ان مفهوم المقدرة البشرية ليس اكثر شمولا من مفهوم رأس المال البشري فحسب، بل يختلف عنه في منطلقاته العقائدية، في اعتبار الانسان هدف نمو رأس المال باشكاله المختلفة عوضا عن اعتبار رأس المال هدفا لنمو الانسان. فهدف النمو الاقتصادي حسب مفهوم المقدرة البشرية هو زيادة مساحة الحرية المتاحة للبشر ليعيشوا الحياة التي يختارونها ويقدرونها، ولذلك فان دور النمو الاقتصادي في زيادة الفرص المتاحة لتحقيق هذا الهدف يجب ان يكون جزءاً لايتجزأ من عملية التنمية الكلية التي تزيد من قدرة البشر على العيش بطريقة اكثر حرية وتحقيقا للذات. وقد ادى هذا الاختلاف في المنظور التنموي الى ظهور فوارق في موقف برنامج التنمية التابع للامم المتحدة عن موقف سائر المؤسسات الاقتصادية الدولية من برامج التصحيح الاقتصادي وتحرير الاسواق والخصخصة وغيرها من السياسات التي سارت نحوها دول العالم بقوة خلال التسعينيات. فلم يكن غريبا ان ينتقد منظرو التنمية البشرية قسوة برامج التصحيح الهيكلي التي طبقت في الكثير من البلدان النامية بتوصية من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، واخذوا يطالبون ببرامج بديلة لا تحقق التوازن الاقتصادي على حساب الفئات الاكثر حرمانا من السكان وعلى حساب التنمية البشرية المستدامة. اذ ان منهاج التنمية البشرية المستدامة لايعتقد ببرامج تحقق التوازن الاقتصادي على حساب التوازن الاجتماعي، والاهم، على حساب التآكل في المقدرة البشرية. بل يعتبر مفهوم المقدرة البشرية ان الانفاق الاجتماعي الذي يعزز المقدرة البشرية، بعيدا عن ان يكون عبئاً، هو جزء من الانفاق على التنمية ذو عوائد طويلة المدى بعضها اقتصادي وبعضها الاخر غير اقتصادي. كما يعتبر ان مقياس نجاح السياسات التنموية هو قدرتها على جعل البشر يعيشون حياة اطول واكثر حرية وامتلاءً، بالاضافة الى دورها في تعزيز الانتاجية والنمو الاقتصادي ومستوى المعيشة.
    ويعنى مفهوم المقدرة البشرية بقدرة البشر على احداث التغيير الاجتماعي بقدر ما يعنى بقدرتهم على احداث التغيير الاقتصادي، فقد اثبتت العديد من الدراسات ان الارتفاع في المستوى التعليمي عند الاناث يخفض الفروق في توزيع الدخل ضمن العائلات، كما انه يخفض من معدل الخصوبة وبالتالي معدل التزايد السكاني.
    اما توسع التعليم الاساسي في بلد ما فانه سيرفع من درجة مشاركة الجماهير في مناقشة القضايا العامة. ومثل هذه الانجازات وغيرها قد لا تكون لها فوائد محددة من الناحية الاقتصادية، الا ان ذلك لا يقلل من فائدتها الاجتماعية والسياسية. هذا فضلا عن ان النظر لهذه الفوائد من منظور اجتماعي سيجعل محاولة تحقيقها مسؤولية عامة تقع على عاتق حكومية ومؤسسات المجتمع المدني، اما الاقتصار على الفوائد الانتاجية للتعليم والصحة، فيجعلها من مسؤولية الافراد والشركات المستفيدة منها، ما يقلل الانفاق عليها الى درجة اقل بكثير مما يلزم اجتماعيا.
    ولابد من الاشارة هنا ايضا الى ان التنمية البشرية تعتبر منقوصة اذا تمكنت من تعزيز قدرات الانسان دون التمكن من ايجاد الفرص الكافية في البيئة الاقتصادية والاجتماعية لاستخدام هذه القدرات بشكل فعال. فالتعليم قد يتحول الى بطالة عند اصحاب الشهادات اذا لم يترافق مع مشروع تنموي متكامل. وهو الامر الذي يؤكد على اهمية البعد الاقتصادي في نظرية التنمية البشرية. ولكنه ايضا الامر الذي يؤكد على سعة وشمول مفهوم المقدرة البشرية كمفهوم يتجاوز رأس المال البشري. اذ ان تطوير المقدرة البشرية ليس عملية احادية البعد معزولة عن سياقها، بل يأتي كنتيجة لمشروع التنمية البشرية باسره الذي يجعل المقدرة البشرية هدفا ووسيلة، الذي يضعها ضمن سياق سياسات متكاملة تستهدف الاقتصاد والمجتمع، اي تعزيز البيئة التي يوجد فيها الانسان، ويبقى ان الرفاهية الاقتصادية او التحسن في مستوى المعيشة لايتحولان تلقائيا ودائما الى تحسن في نوعية الحياة، على الرغم من وجود علاقة طردية قوية ما بين الظاهرتين. فهناك الكثير من البلدان التي تتمتع بمستوى معيشي عال حسب المقاييس العالمية ولكن التي تقل فيها معدلات الإعمار او ترتفع فيها معدلات الامية مقارنة ببلدان اخرى اقل دخلا منها، الامر الذي يجعلنا نخلص الى القول في النهاية الى ان زيادة الانتاجية والنمو الاقتصادي ومعدل الدخل الفردي ليست كل شيء، وان الطريقة التي يتوزع بها الدخل القومي بين فئات السكان، والسياسات والبرامج الاجتماعية بشكل عام، خاصة ما يتعلق منها بالتعليم والصحة يجب ان تحظى بدرجة اكبر من الاهتمام بعد ان اهملت اكثر مما يجب خلال العقود الماضية.

    ************************************************
    تطور العلاقة بين البعدين المادي والبشري في الفكر التنموي. فلاح خلف الربيعي.جريدة الصباح العراقية – 13-5-2006.
    مقتبس من موقع معهد الشيرازي الدولي للدراسات واشنطن.2010
    ******

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 03, 2016 8:52 pm